صفي الرحمان مباركفوري

252

الرحيق المختوم

2 - جاءت نسوة من المؤمنين إلى ساحة القتال بعد نهاية المعركة ، قال أنس : لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم ، وأنهما لمشمرتان - أرى خدم سوقهما - تنقزان القرب على متونهما ، تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنهما ، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم « 1 » . وقال عمر : كانت ( أم سليط ) تزفر لنا القرب يوم أحد « 2 » . وكانت في هؤلاء النسوة أم أيمن ، إنها لما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة ، أخذت تحثو في وجوههم التراب ، وتقول لبعضهم : هاك المغزل ، وهلم سيفك . ثم سارعت إلى ساحة القتال ، فأخذت تسقي الجرحى ، فرماها حبان ( بالكسر ) ابن العرقة بسهم ، فوقعت وتكشفت ، فأغرق عدو اللّه في الضحك ، فشق ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له ، وقال : ارم به ، فرمى به سعد ، فوقع السهم في نحر حبان ، فوقع مستلقيا حتى تكشف ، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجزه ، ثم قال : استقاد لها سعد ، أجاب اللّه دعوته « 3 » . بعد انتهاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الشعب ولما استقر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مقره من الشعب خرج علي بن أبي طالب ، حتى ملأ درقته ماء من المهراس - قيل : هو صخرة منقورة تسع كثيرا وقيل : اسم ماء بأحد - فجاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليشرب منه ، فوجد له ريحا فعافه ، فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم ، وصب على رأسه وهو يقول : اشتد غضب اللّه على من دمّى وجه نبيه « 4 » . وقال سهل : واللّه إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن كان يسكب الماء وبما دووي ؟ كانت فاطمة ابنته تغسله ، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير ، فأحرقتها ، فألصقتها ، فاستمسك الدم « 5 » . وجاء محمد بن مسلمة بماء عذب سائغ ، فشرب منه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ودعا له بخير « 6 » ، وصلى الظهر قاعدا من أثر الجراح ، وصلى المسلمون خلفه قعودا « 7 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 403 ، 2 / 581 . ( 2 ) نفس المصدر 1 / 401 . ( 3 ) السيرة الحلبية 2 / 22 . ( 4 ) ابن هشام 2 / 85 . ( 5 ) صحيح البخاري 2 / 2 / 584 . ( 6 ) السيرة الحلبية 2 / 30 . ( 7 ) ابن هشام 2 / 87 .